هل للقصة بقية؟
اذكر مرة كنت امشي في سوق الحميدية في الشام ودخلت مقهى قديم. كان يجلس على المسرح الحكواتي، بيده كتاب وباليد الأخرى عصا. يلوح بها ليلفت انتباه الجالسين والسامعين من حوله والذين كانوا يضحكون ويرددون مقتطفات من القصة عند كل سؤال. جلست في الزاوية، اشرب الشاي وانا استمع لفقرات من قصة الظاهر بيبرس واشاهد تجاوب الجالسين مع القصة.
كان هذا الموقف قبل سنين كثيرة جدا، وليس بالغريب في زمن اللابتوبات والهواتف المتنقلة، فكان جزء من نسيج المجتمع المُحافظ عليه. ولكن لا زلت اذكره الى يومنا هذا لا كموقف وجود حكواتي في القرن ال٢١، وانما كجزء بناء لمجتمعاتنا، اثّر في صياغة هويتنا. فإذا تأملنا بين المجتمعات، هل برأيكم تتواجد الكثير من الفروقات بين كيفية سردية الاحداث ما بين العالم العربي والافريقي والعالم الغربي؟
بعد العديد من القراءات والتأملات، رأيت بأن العالم الغربي كان يُركز في السردية على الفردية - وربما ما زال. فتكون من خلال الكتابة لإيجاد المنطق والعقلانية. تأخذ الكتابات طابعاً رسمياً ليتمكن الأشخاص من تصديقها واستخدامها. فلا تعتبر بأن الروايات او القصص مصدر موثوق منه لبناء المعرفة، إنما تُستَخدم لتحريك المشاعر (بوكينجهورن، ١٩٩٥). اما السردية في العالم العربي والافريقي فقد كانت شفهية الى حد ما وتأخذ طابع جماعي، يُزاوِد عليها الأشخاص لبناء أطراف متكاملة من السردية واستكشاف النوى الذي يُكوّن الهوية الجماعية. فهدف السردية هو بناء العلاقات، فِهم المعاني والهوية وتكوينها او إعادة تكوينها، وروايتها كحدث جماعي (موسينا،٢٠١١)، يُصَدَق، لأنه يُحفظ، الى ان يصلنا ليومنا هذا. وفي بعض الاحيان، وفي الكتابات العربية نرى المرجعيات والتى تعود الى المصدر والردود على النظريات والاراء كأن الكتاب يخاطب الاشخاص ويخلق الحوار ويكمل السردية.
تغيرت الكثير من الأمور اليوم بطبيعة التطور ومواكبة العصر، وأصبحنا في اعمالنا نستخدم كل أنماط السردية لصياغة القصص او التجارب او وجهات النظر. وأصبحنا نهتم بالمنطق والعقلانية من خلال الأسئلة المحددة بدلاً من القصة لأنه من السهل تتبع مصدرها والوثوق بها وبالتالي تكون مربوطة أكثر بالتمويل واتخاذ القرارات. وأصبحنا نستخدم القصة اقل فأقل، إلا لنقل التجارب الناجحة او لتحريك المشاعر بدلاً من استخدامها كأداة موثوقة لبناء المعرفة والعلاقات واستكشاف الهويات الجماعية. لا أُنكر بأن هناك منهاج مثل التحقيق السردي وأدوات متنوعة ما زالت تَستخدم القصة او أجزاء من القصة وبقوة في بعض المجتمعات، ولكن ليس بالكثافة التي تَستخدم فيها الأسئلة المحددة. فهل باستطاعتنا الاعتماد على القصة كمصدر موثوق فيه وأساسي لصناعة القرارات؟ اترك لكم الإجابة.
ولكن أحيانا، عندما اجلس في مجموعة مركزة، وانا انظر الى ورقة الأسئلة وانتظر الأجوبة، تفلت من المجيب/ة قصة جميلة، فيجتمع الجميع على المزايدة والبناء عليها، ورغم علو الأصوات وأحياناً الضحك، تظهر لنا المعاني والاهداف بطريقة غير مباشرة. فأستمع بكل اهتمام وأتأمل وأدوّن واتذكر اننا مهما فعلنا، نحن كمجتمعات جماعية، نخلق معانينا من خلال القصص.
المراجع:
Polkinghorne, D. E. (1995). Narrative Configuration in Qualitative Analysis. Qualitative Studies in Education, 8, 5-23. https://lnkd.in/dTuxHhKH
Mucina, D. D. (2011). Story as Research Methodology. AlterNative: An International Journal of Indigenous Peoples, 7(1), 1-14. https://lnkd.in/dCdw7_Gg