المجتمعات المجتمعية والمجتمعات الفردية

ذهبت مرة في رحلة إلى مزرعة لأصدقاء لي، وكان يشرح لنا احد الأصدقاء الذي تولى هندسة وزرع المزرعة عن الأرض وكيف انه يستغل كل مورد متاح له لصنع ارض خصبة وزراعة مثمرة. فمثلاً، يحرص على تجميع الخضروات و الفواكه الفاسدة في مكان مخصص لصنع السماد وعدم قتل الحيوانات والزواحف البرية بل إبقائها على قيد الحياة لأنها جزء من مجتمع المزرعة وزراعة أنواع من الشجر المختلف ثماره لتدعم الشجرة جارتها الشجرة الثانية في النمو، وما إلى ذلك. فكان يشرح لنا ان المَزارِع التي تشمل نوع واحد من الخُضار او الفواكه غير مجتمعية وتحتاج الكثير الكثير من الموارد لإبقائها منتعشة ومثمرة.

هنا جلست أفكر، كم نشبه نحن كمُجتمعات هذه المزرعة. شموليين، مختلفين ولكن متقبلين لبعضِنا البعض ومن حين إلى اخر نتكئ على المقربين منّا عندما نحتاج للدعم. بعد التأمل تساءلت، هل نحن حقاً كذلك أم هل نُشبه المزرعة ذات النوع الواحد من الشجر؟

اذا ما حللنا الفرق بين النوعان، من الممكن ان نتوصل للحل. فهدف المزرعة الأولى (المجتمعية) هو التعايش مع كل العوامل والنمو المتكامل لكل عنصر من العناصر، ان كانت النباتية او الحيوانية، بالإضافة إلى الزواحف والحشرات والطيور . إذا أَنتجت هذه المزرعة، فكما نقول بالعامية، "خير وبركة". اما ان لم تُنتِج، فندرُس لِما لم تُنتِج. هل كانت البذور، أم التربة، أم المناخ، أم العامل البشري؟ ونبادر بالتعديل على هذا الأساس. اما المزرعة الثانية ذات النوع الواحد من الأشجار (الفردانية)، هدفها الإنتاج للربح. فهي تعمل على تحسين الأشجار وخلق بيئة موحدة، بإستخدام شتى انواع الطرق الطبيعية (وممكن الغير طبيعية) لإنتاج محصول مُوحد، لبيعهِ بالسوق كمنتج من نوع واحد، كل حبة تشبه الثانية. الفرق هنا بين المزرعتين، بنظري، هو ان الأولى تسعى إلى الاستمرارية للتعايش كمُجتمع مهما جر عليه الزمن من عوامل، والثانية تسعى إلى الاستمرارية، بشتى الطرق، لتربح.

اذكر بحوار مع هذا الشخص بعد الحصاد وتقاسُم ما حصدناه بيننا والإنبهار بكمية المعلومات المفيدة، قلت له : "لما لا تحاول ان تربح من هذه المعلومات من خلال تدريبات او ورشات عمل، فتنشر هذه الآلية بين الجميع لنستفيد؟"
هنا انتبهت الى انه تلعثم وقال لي: "ليس هذا هو الهدف."

ادركت حينها كم انا متأثرة بنمط المزرعة الفردانية وكم تعلمت من المزرعة المجتمعية والتي كونت عندي المنظور الذي شرحته في بداية هذه القصة. فليس كل نجاح مربحه المال، إنما الموضوع اكبر من ذلك بكثير. ومن تلك اللحظة، أصبحت ارى الفرق بين المزارع والمجتمعات، المجتمعية والفردانية، وما تحتوي منه وما تؤول اليه.

وهنا ستكررون السؤال علي. لما نتكلم عن المزارِع والشجر والثمار على منصة "لينكد إن" بالذات وفي وسط منشور يُفترض به ان يكون عن التقييم؟ سأجيب، ولكن لِمَ العجلة؟

Previous
Previous

بداية القصة

Next
Next

كيف نجمع كمقيميين البيانات؟ نطرح ادناه بعض النقاط